الجمال بين العقل والنور

 

المجلة - الكاتبة والأديبة حنان حسن الخناني

حين نقف أمام مشهدٍ آسرٍ زهرة تتفتح على مهل، أو سماءٍ تتدرج فيها ألوان الغروب فإننا لا نسأل: ما فائدته؟ بل نقول ببساطة: ما أجمله.

هذه الكلمة الصغيرة تختزن سرًا كبيراً ما الجمال؟ وأين يسكن؟ في عيوننا أم في الأشياء؟ في العقل أم في القلب؟

 

الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط حاول أن يجيب عن هذا السؤال في كتابه «نقد ملكة الحكم». لم يتعامل مع الجمال بوصفه زينة للحياة، بل بوصفه تجربة خاصة تقع في منطقة دقيقة بين العقل والشعور.

يرى كانط أن الجمال ليس منفعة، ولا رغبة، ولا أخلاقًا، ولا مفهومًا علميًا. إنه متعة خالصة، تنشأ حين تنسجم ملكات النفس — الخيال والعقل — في لحظة حرّة لا تُقاس ولا تُبرهَن.

والأجمل في فكرته أنه، رغم ذاتية الشعور، يعتقد أننا حين نحكم على شيء بأنه جميل فإننا نتوقع من الآخرين أن يوافقونا؛ كأن الجمال لغة خفية مشتركة بين البشر.

 

أما في التراث الإسلامي، فالجمال لا يُختزل في تجربة الوعي الإنساني، بل يتجاوزها إلى أفق أوسع.


الجمال هنا ليس فقط إحساسًا، بل هو أثرٌ من آثار الخلق، ووجهٌ من وجوه الإتقان الإلهي.

وحين نتأمل الحديث النبوي: “إن الله جميل يحب الجمال”، ندرك أن الجمال في الرؤية الإسلامية ليس أمرًا عرضيًا، بل قيمة متأصلة في بنية الوجود نفسه.

 

في الفنون الإسلامية في الخط العربي، والزخرفة، والعمارة لا يُراد بالجمال مجرد الإبهار البصري، بل الإشارة إلى الوحدة والنظام والانسجام.

إنه جمال يهمس بفكرة التوحيد؛ حيث تتكرر الأنماط وتتناسق الأشكال، فيحسّ المتأمل بأن وراء التعدد وحدةً عميقة.

 

يلتقي كانط والتراث الإسلامي في نقطة رفيعة، كلاهما يحرر الجمال من المنفعة والاستهلاك.

كلاهما يرى فيه تجربة ترتقي بالإنسان عن مستوى الحاجة المادية.

 

لكن الاختلاف يظهر في المصدر والغاية، كانط يفسّر الجمال انطلاقًا من بنية العقل الإنساني،

بينما يربطه التراث الإسلامي بالمطلق الإلهي، فيغدو الجمال طريقًا إلى المعرفة والاقتراب.

 

لو تخيلنا المشهد، كانط يقف أمام زهرة، فيتأمل انسجامها الداخلي، ويرى فيها توازنًا حرًا بين الخيال والعقل.

أما المؤمن، فيقف أمامها ويرى فيها أثر “الجميل”، فيتحول التأمل إلى تسبيح.

الأول يصف تجربة النفس، والثاني يربطها بنور الخالق.

 

ومع ذلك، كلاهما يعترف بأن في الإنسان سرًا يجعله يرتجف أمام الجمال، ويشعر بأنه أمام شيء يتجاوز الكلمات.

 

لعل الجمال في النهاية هو تلك اللحظة التي يتصافح فيها العقل مع الروح،وتدرك النفس، ولو لثوانٍ، أن في هذا الكون انسجامًا أعمق مما نرى.

عبدالله التهامي
عبدالله التهامي
تعليقات